القاهرة- بدت محاولة سيد علي الباحث في التراث للوصول إلى مقبرة الإمام ورش (عثمان بن سعيد) في منطقة الإمام الشافعي بوسط القاهرة غاية في الصعوبة، بسبب الحصار الأمني للمنطقة التي تتم فيها عمليات الإزالة وسط حالة من الدهشة والغضب المكتوم.

ويقول علي للجزيرة نت إن جمعيات الحفاظ على التراث فشلت حتى اللحظة في التواصل مع الجهات المسؤولة لوقف هدم مقبرة الإمام ورش، مضيفا “من غير المعقول أن تقدم الحكومة على هذا الفعل”.

وأشار إلى أن الجرافات تتحرك بسرعة رهيبة وكأنها في مهمة عاجلة لتنفيذ هدف ما يتعلق بكل القاهرة التاريخية القديمة وليس مقابر المشاهير فقط، وعلى رأسهم واحد من أكبر مشاهير قراء ومعلمي القرآن الكريم في العالم.

وزارة الآثار تتنصل

بدورها، تنصلت وزارة الآثار المصرية من المسؤولية من قرار هدم مقبرة الإمام ورش الملقب بـ”شيخ القراء”، والتي تأتي ضمن مخطط إزالات لمقابر القاهرة التاريخية أو ما تعرف بمدينة الموتى.

وقال مصدر مسؤول في وزارة الآثار للجزيرة نت إن الوزارة لا تستطيع التحرك، لأن القبر غير مسجل لديها ضمن قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، مضيفا “لا دخل للآثار ووزارة السياحة بشأن قرار الهدم”.

وشدد المصدر على أن جميع ما ينتمي للتراث الموجود في منطقة مقابر الإمام الشافعي لا يتبع المجلس الأعلى للآثار.

وفي السياق نفسه، قالت لمياء مختار عضوة مبادرة “شواهد مصر” -التي تقود حملة لإنقاذ القاهرة التاريخية- للجزيرة نت إن الجهات التي تنفذ الهدم تتمتع بصلاحيات كبرى ولا تلتفت للرد على تساؤلات خبراء الآثار، وإن التنفيذ يتم حصرا من خلال محافظة القاهرة وجهات عليا، لم تسمها.

جاء ذلك فيما تتفاعل أزمة هدم مقبرة الإمام ورش بين محبيه والباحثين في علوم وقراءات القرآن الكريم باعتباره صاحب واحدة من أشهر التلاوات.

بدوره، يقول أستاذ الآثار الإسلامية في جامعة القاهرة محمود حربي للجزيرة نت إن الحكومة الحالية ورثت ميراثا ثقيلا من التعديات على مقابر القاهرة التاريخية، لكنها بتصرفاتها الحالية تجاوزت كل الحدود.

ووصف حربي الهدم بأنه غير مبرر وغير مسبوق، معتبرا أنه بالإمكان توفير طرق ومحاور بديلة بعيدا عن رموز التاريخ.

وذكر أن إزالة قبر الإمام ورش وغيره من المشاهير تعد “جريمة كبرى”، مشيرا إلى أن قرارات الهدم تهدد بمحو مفهوم القرافة أو الجبانات التاريخية للقاهرة كوحدة عمرانية واحدة، وأضاف “عمليات الهدم المتلاحقة تبدو مصممة على محو تاريخ طويل ومهم”.

وبعد أن عجز الباحث في التراث الثقافي مصطفى الصادق عن التواصل مع أي جهة مسؤولة كشف في صفحته على فيسبوك عن وصول قطار الإزالات في مقابر القاهرة التاريخية القديمة إلى مقبرة الإمام ورش، وقال إن السلطات وضعت بالفعل علامة “إزالة” على المقبرة التي تقع في منطقة “الإمام الشافعي” تحت سفح جبل المقطم.

وقال الصادق إنه كان يجب تحويل المكان إلى مزار للاعتبار وقراءة الفاتحة لروح الإمام صاحب القراءة بدلا من هدمه وإقامة طريق، وعبر عن غضبه بسبب إصرار الحكومة على مواصلة الهدم قائلا “يعجز الكلام عن التعبير كما يعجز اللسان عن البوح عما بالذات”.

صاحب أشهر التلاوات

وتنتشر رواية ورش المصري عن نافع المدني (إمام القراء في المدينة وأحد القراء العشرة) في بلاد الجزائر والمغرب وموريتانيا وفي غرب أفريقيا مثل السنغال والنيجر ومالي ونيجيريا وغيرها، وتعرف كذلك في بعض مناطق مصر وليبيا وتشاد وتونس.

وذكر الباحث مصطفى الصادق أن “الإمام ورش هو أبو سعيد عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو بن سليمان، وقد لقبه شيخه الإمام نافع بلقب “ورش” وهو طائر معروف، والورش أيضا هو شيء يصنع من اللبن، وقد لقب الإمام ورش به نظرا للونه ناصع البياض”.

وقد ظلت قراءة ورش السائدة في مصر حتى دخول العثمانيين البلاد، حيث أصبحت قراءة حفص هي القراءة المعتمدة في مصر.

واستنكر الصادق عدم إدراك قيمة الإمام ورش قائلا “تخيل أن مكان مقبرة الإمام ورش في حوش أسرة الشيخ محمد محرم وابنه الحاج عبد الرحمن، ومع الأسف أغلب المصريين لا يعلمون أن الإمام ورش مدفون في مصر ولا يعلمون أين قبره”.

قادم من أعماق الصعيد

ويتحدث الباحث في علوم القرآن محمد عوض للجزيرة نت عن شعور بالأسى، ويتساءل “كيف يهدم قبر الإمام ورش الذي شرفه الله تعالى بأن اختاره ليكون راوي ثاني أشهر قراءة للقرآن الكريم في العالم بعد قراءة حفص عن عاصم؟!”.

ويقول عوض إنه من خلال بحوثه المتعددة انتهى إلى أن الإمام ورش ولد سنة 110 هجرية في بلدة قفط بأعماق الصعيد في الوجه القبلي من أرض مصر، ثم رحل إلى الفسطاط بمدينة القاهرة ليعلم الناس في جامع عمرو بن العاص، قبل أن يرحل مرة أخرى إلى المدينة المنورة ليقرأ على الإمام نافع المدني، حيث قرأ عليه عدة ختمات للقرآن الكريم سنة 155 هجرية.

وحسب الباحث، فقد رجع الإمام ورش إلى مصر عام 155 هجري وانتهت إليه رئاسة الإقراء بها، فلم ينازعه فيها منازع، مع براعته في اللغة العربية ومعرفته في التجويد، وكان ثقة وحجة في القراءة جيد القراءة حسن الصوت إذا قرأ يهمز ويمد ويشدد ويبين الإعراب حتى توفي بمصر سنة 197 هجرية.

قراءة ورش في مصر وشمال أفريقيا

ويشير الباحث إلى أن القراءة برواية ورش كانت هي السائدة في مصر إلى أن اجتهد العثمانيون في تحويل المصريين إلى القراءة برواية حفص عن عاصم، موضحا أن “قراءة ورش عن نافع المدني سارت مع المالكية والأشعرية والصوفية السنية في الأمصار جنبا إلى جنب”.

وأضاف عوض “لقد أصبح الصعيدي ابن مدينة قفط شيخا للمقارئ والإقراء في مصر وغيرها من الأمصار، وأصبحت روايته من أشهر الروايات في تلاوة القرآن المجيد، وبعد ذلك يريدون هدم مقبرته”.

ويستغرب عوض كيف أن كثيرا من المصريين لا يعرفون شيئا عن سيرة الإمام ورش، ويقول “الناس في المغرب وشمال أفريقيا وغربها يعرفونه ويقدرونه أكثر من بلدياته المصريين ومن أهل بلدته قفط”.

ويكشف الباحث أيضا عن أن انتشار الخبر عن هدم مقبرة الإمام ورش تنامى إلى أصدقائه في المغرب، فتحرك بعضهم لمطالبة الحكومة المغربية بنقل رفاته إلى فاس أو الدار البيضاء وإعادة دفنه في مسجد الحسن الثاني أكبر مساجد المغرب وأشهرها.

يشار إلى أن مدينة الموتى التي يوجد فيها قبر الإمام ورش تعد جزءا من مدينة القاهرة التاريخية المسجلة ضمن قائمة مواقع التراث العالمي منذ عام 1979.

ويعود تاريخ مدينة الموتى -التي تمتد على مسافة 12 كيلومترا وتغطي مساحة تبلغ حوالي ألف هكتار- إلى الفتح الإسلامي لمصر، وهناك ترقد شخصيات إسلامية بارزة مثل عمرو بن العاص الذي قاد فتح مصر وحكمها لسنوات، كما توجد قبور العديد من مشاهير الأدب والسياسة.

وقد زادت حملة النشطاء احتداما بعد اكتشاف قبور وآثار يعود تاريخها إلى أكثر من 1200 عام قبل أن تدعسها جرافات الهدم.

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © الخليج مباشر. جميع حقوق النشر محفوظة. تصميم سواح سولوشنز.