تعد الكاتبة الروائية والمترجمة الجزائرية الإيطالية أمل بوشارب، صاحبة ثلاثية “في البدء كانت الكلمة” و”سكرات نجمة” و”ثابت الظلمة”، إحدى أبرز النساء العربيات المهاجرات من الجيل الجديد، ومن المساهمات النشطات في المكتبة الإيطالية والملتقيات والندوات الثقافية ذات الصلة بالعالم العربي والقضية الفلسطينية في إيطاليا.

أسست بوشارب مجلة نصف سنوية مختصة بالأدب والفنون في العالم العربي تسمى “أرابسك” تصدر ورقيا بالإيطالية، وتقول إن السلسلة تشرع أبواب الجمال بين ضفتي المتوسط، وتسلّط الضوء على مواطن الرّقة التي تجمع شعوبنا، منتقية أرفع مراتب التعبير الإبداعي في ثقافتَينا، واضعة إياها بين دفتي إصدار منوع يأتي على شكل مجلة هي الأولى من نوعها في إيطاليا للتعريف بالأدب والفنون العربية.

وتحتفي المجلة بفنانين، وكُتاب ومترجمين إيطاليين وقفوا على مواطن الجمال في الحضارة العربية، ونقلوها بعناية إلى الإيطالية، وفي هذا الحوار نقترب من أمل بوشارب؛ كمثقفة ومترجمة تعتبر الترجمة قصة حب وترى عالم الأدب وضواحيه انعكاسا لجوهر النفس البشرية.

  • هل وجدتِ في الكتابة والحكي الطريق الأنسب لكسب قلوب وعقول القارئ الغربي والإيطالي؟

الكتابة هي لغة التواصل التي أحب. في البدء كانت خيارا طبيعيا للتعبيرعن الانشغالات الإنسانية للمجموعة التي أتقاسم معها ذات الخلفية الحضارية والثقافية، وبعد الانتقال لإيطاليا بقيت هي الأداة الأُثيرة التي أملكها من أجل التواصل مع الآخر.

  • اعتادت بعض وسائل الإعلام تنميط صورة المرأة الإيطالية، كيف استقبلكِ القارئ الإيطالي كامرأة مهاجرة جزائرية مبدعة روائية ومترجمة؟

الشعب الإيطالي ودود، وإقليم بييمونتي حيث أقيم معروف بثقافة أهله المرهفة. حظيت ككاتبة بتجارب فريدة ودافئة هنا. كنت أزور مكتبة “إيميليو سالغاري” القريبة من منزلي لكتابة “سكرات نجمة” وعندما عرفَت بذلك أمينة المكتبة عرضت عليّ الإشراف على ورشات أدبية باللغة العربية، من خلالها وصلني عرض من صاحبة دار نشر إيطالية للانضمام لفريق كُتاب الدار وهكذا صدر عملي الأول في إيطاليا.

ومن يومها ما زالت العروض تتوالى عليّ من دور نشر ومجلات أدبية من كافة أنحاء إيطاليا، إلى جانب الدعوات للمشاركة في لجان تحكيم جوائز أدبية ولجان تنظيم مهرجانات.

الاهتمام الإيطالي بسماع الصوت العربي يتجسد في اللقاءات المحلية التي تعقدها المكتبات مرورا بالتظاهرات الإقليمية الأوسع، وصولا إلى الفعاليات الوطنية الكبرى ذات البعد الدولي على غرار دعوتي لإلقاء محاضرة في يوم أفريقيا المنظم من وزارة الشؤون الخارجية في حكومة دراغي (رئيس وزراء إيطاليا 2021-2022)، وهذا دليل على الاهتمام الذي يَكنّه المثقف الإيطالي لنظيره العربي.

وهو تقدير أبادله ودعوات أعتز بها، ألبّي بعضها بكل محبة وأعتذر عن بعضها أيضا لانشغالي بتربية طفليّ وهو أمر لا ينبغي أن تخجل منه أي أم عربية أو تعتبره صورة نمطية ينبغي تجاوزها.

أرابسك محاولة لتسليط الضوء على ما هو جمالي في الثقافة العربية من خلال فريق يتكون من أساتذة مختصين في الأدب العربي والأنثروبولوجيا والفلسفة

  • لم تكتفِ بالإبداع في الرواية كجنس أدبي له جمهوره الواسع في إيطاليا، بل أخذت على عاتقك الترجمة والكتابة عن الآداب العربية وتقديم مبدعين عرب للجمهور الإيطالي من خلال السلسلة نصف السنوية “أرابسك” التي تديرينها، كيف انطلقت هذه التجربة كفكرة ثم المرور نحو النشر للجمهور الإيطالي؟

الفكرة أتت بسبب غياب أي دورية موجهة للقارئ الإيطالي تتناول قضايا الأدب والثقافة العربية على النحو الذي يبرز عمقها وتنوعها وثراءها، ذلك أن الدراسات في الأدب العربي كانت تقتصر على مجلات محكّمة موجهة حصرا للأكاديميين.

هذا عدا عن الخط الأيديولوجي الذي يصبغ جلّ المقاربات التي تتناول النِتاج الثقافي العربي وهو ما حوّل الثقافة العربية في إيطاليا إلى مادة موجهة لفئة الناشطين السياسيين والاجتماعيين، لا للقارئ الذوّاق المهتم بقضايا الفن والأدب.

ومن هنا أتت أرابسك في محاولة لتسليط الضوء على ما هو جمالي في الثقافة العربية من خلال فريق يتكون من أساتذة مختصين في الأدب العربي والأنثروبولوجيا والفلسفة، وكذا مترجمين وفنانين ونقاد ذوي تأهيل عال.

  • ما مصير أو مستقبل عالم الترجمة الأدبية من العربية إلى اللغات الأوروبية، خاصة بعد صعوبات واجهت مجلات وصحفا عريقة (تصدر من أوروبا) مثل “بانيبال” الإنجليزية؟

الرأي السائد حاليا يقول بضرورة دعم الحكومات للترجمة من العربية إلى اللغات الأوروبية وهو رأي كنت أؤيده لوقت غير بعيد، لكن رأيي حاليا قد يفاجئك.

المشاريع الأدبية ينبغي أن تبقى مشاريع شغف. والترجمة الأدبية، كما يعرف جميع المترجمين هي شيء يشبه تماما قصص الحب بين المترجم والثقافة التي يترجم منها وإليها. ومن الطبيعي أن تنتهي أي قصة إذا انطفأ الشغف، لذا فأنا لا أميل حتى لتحويل نهايات هذه المشاريع إلى محطات دراماتيكية.

ومن الأجدر التأمل في هذه التجارب على أنها انعطافات إنسانية لمسارات لها بداية ونهاية تخضع لقوانين الحياة.

عالم الأدب وضواحيه انعكاس لجوهر النفس البشرية، مصدر سحره ينبع من هشاشته والخوف على فقدانه وبالتالي التفاف القراء من حوله لا بد أن يتم على نحو طبيعي لا بدافع التمويل.

الوقود الطبيعي للأدب وترجمته لا ينبغي أن يكون سوى الحب الذي إن مات في قلب سيولد في قلب آخر والاعتقاد بغير ذلك هو ببساطة اعتقاد بموت الأدب. أما إن اعتُمدت فكرة تمويل الترجمة الأدبية للغات الأوروبية على اعتبار أنها أداة إستراتيجية علينا أن لا ننسى أن مثل هذه العمليات قد لا تحقق أبدا أهدافها بسبب تصويرها في الغرب على أنها عمليات مفضوحة لبناء قوة ناعمة.

وقد حصلت بالفعل تجارب فاشلة من هذا النوع في إيطاليا. ويبقى أسوأ ما في هذه الفكرة هي أنها قد تحوّل الثقافة العربية في العالم إلى ثقافة ريعية.

  • أصبح اسمك ضمن المساهمات في المكتبة الإيطالية، وهو ما رصده أيضا كتاب “النتاج الثقافي للمرأة في إيطاليا المعاصرة”، للباحثتين شارون هيكر وكاثرين رامسي، في المقابل هناك من يعتبر هذا التصنيف دليل رضى عن انصهارك في النماذج النسوية الاستشراقية الجديدة.. ما تعليقك؟

أعتقد أن جميع من اطلع على كتاباتي سواء بالعربية أو الإيطالية (وأنا بالمناسبة بالإيطالية أشد وضوحا ومباشرة) يدرك تماما أنني من أشد المتشككين في الشرط النسوي ومحاولات فرضه من طرف ماكينة الاستشراق الجديد ذات الأجندات النيوكولونيالية (الاستعمارية الجديدة) المكشوفة كقالب جاهز للإنتاج الفكري والإبداعي للمرأة العربية.

الباحثتان الأميركيتان شارون هيكر وكاثرين رامسي تعرضتا بالفعل في مؤلفهما لتجربتي بوصفها نموذجا ثقافيا مضادا لهذا التيار الذي يحاول تقديم شكل محدد للمرأة العربية ضمن الحيز الإبداعي الإيطالي.

قد يكون أبرز دليل لتغريدي خارج سرب هذه الأيديولوجيا التي اختارت الكثيرات الذوبان فيها على اعتبارها أداة للاندماج، إدراجي كالمرأة العربية الوحيدة ضمن مؤلف من 500 صفحة تقريبا تعرّض للنِتاج الإبداعي والفكري للمرأة في إيطاليا منذ سقوط الفاشية إلى يومنا هذا.

  • تنشطين في الحوارات والندوات الثقافية ذات الصلة بالعالم العربي والقضية الفلسطينية هنا في إيطاليا، ما سر هذه الخلطة، وهل الأمر مصادفة تخللت مسار الهجرة أو مشروع مخطط؟

بل قل هو مجرد تفاعل عفوي مع عناصر المحيط الذي أنتمي إليه. أنا لا أطلق حتى على تحوّلي للعيش من الجزائر إلى إيطاليا اسم هجرة بل هو انتقال، لما تنطوي عليه هذه الكلمة من سلاسة في الفعل.

هكذا أحب أن أرى رحلتي في الحياة، مجرد تجربة انسيابية لا يكتنفها أي عنف مادي أو رمزي. لفظ هجرة في المقابل يحفّه عنفان، عنف الانسلاخ عن مكان معين والانشقاق عنه، وعنف القبض على المكان الآخر ومحاولة الالتصاق فيه بقوة. سر الخلطة ببساطة هو إحساسنا بالانتماء لكل ما يشعرنا بإنسانيتنا.

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © الخليج مباشر. جميع حقوق النشر محفوظة. تصميم سواح سولوشنز.