حلت علينا الذكرى الثانية لرحيل العالم الفلكي العم د.صالح محمد العجيري، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى في 10 فبراير 2022.

سأتطرق في السطور التالية إلى الجانب الآخر من حياة هذا الرجل المحبوب المرح وصاحب الابتسامة، التي كان يكتم وراءها معاناة مريرة في حياته، صبر عليها بصلابة وتعايش معها حتى آخر أيام عمره.

وقد اعتاد الناس أن كل من تقع عليه مصائب تفوق احتمال البشر ويصبر عليها يطلق عليه صبر أيوب عليه السلام.

ولد العم صالح العجيري وهو يتيم الأم، صبر وتحمل وأشرف على رعاية اخوته الصغار وهو الذي يحتاج إلى رعاية.

رزقهم الله بأم بديلة زوجة لوالده التي وجد عندها كل الحب والحنان والرعاية وقد تعلق بها بشدة عوضته فراق أمه، لكن تلك الفرحة لم تدم طويلا وصدم بفراقها، رحمها الله.

أخذه والده لقبيلة الرشايدة الأفاضل المجاورة لحيهم في منطقة جبلة، حتى يبعده عن التفكير بفقدان الأم لأن الطفل الكبير يعي أكثر من إخوته الصغار، وجد عندهم كل الرعاية والاهتمام، ثم عاد وهو يحمل خبرات مفيدة.

كبر وتزوج وأنجب أربعة أبناء وبنتا وتلك كانت اجمل فترات حياته، فكان الابتلاء التالي بأسرته.

أصيبت زوجته بمرض أفقدها القدرة على الحركة، ليتم احضار ممرضة لها كي ترعاها، لكنها رفضت في البداية ان يطلع عليها سوى زوجها سترها وغطاها، فتفرغ لرعايتها يقلبها كل فترة، مرة جهة اليمين ومرة جهة اليسار كي لا يتقرح ظهرها، انقطع عن العالم الخارجي وظل صابرا وراضيا، اي بشر هذا الذي يتحمل كل ذلك وهو بهذه السن، ولكنها هي التي قال عنها بإحدى المقابلات لو خيروني بأحد يكون معي بالجنة فسأختار زوجتي أم محمد.

في أحد الأيام صعق بمصيبة حدوث حريق في بيته بمنطقة الروضة نجم عنه وفاة زوجته وابنه الأكبر محمد وأصيب هو باختناق نقل على اثره للمستشفى ترتب عليه التهاب حاد بالصدر لازمه حتى آخر ايامه، صبر وتماسك على فراق اغلى الناس لديه بالدنيا، وعاد لممارسة حياته الطبيعية مرحا يداعب الناس وهو يدوس على آلامه وجراحه.

فجع بخبر اصابة احد ابنائه بجلطة في المخ افقدته القدرة على المشي والنطق، فظل يتابع حالته ويترقب اي أمل في أن تتحسن حالته دون جدوى حتى آخر يوم في حياته ولكنه كان صابرا راضيا بقضاء الله وقدره.

اصيب بفيروس كورونا انتقل اليه من احدى ممرضاته اثناء تبديل النوبة في بيته وهو بسن المائة وبضعة شهور، دخل بغيبوبة وبالعناية المركزة، حتى تحسنت حالته لكن ظل النطق صعبا عليه مع احتفاظه بكامل ذاكرته.

الضربة القاصمة كانت اثناء مناوبة ابنه البار جمال الذي ترك بيته واسرته وتفرغ لمتابعة حالة والده العزيز، وكان يتناوب مع الممرضة، في احدى الليالي ذهبت الممرضة للنوم في وقت متأخر، وجمال مستلق بالصالة ويتابع والده بالغرفة المجاورة على فترات ويقاوم الارهاق، في الصباح الباكر استفاقت الممرضة واذا بجمال قد توفي وهو في مكانه اثر سكتة قلبية، كيف سيتم التعامل مع الموقف وهو محتفظ بكامل ذاكرته، القرار كان هو ابلاغه بالخبر خوفا من احتمالية ان يعزيه احد من خارج العائلة، فتم ابلاغه بالفجيعة، بالتأكيد كان يتألم بشدة بداخله من هول المصيبة، الا انه لم يكن يستطيع النطق او التعبير عن حالته، لكنه ظل صابرا صبر ايوب حتى توفاه الله.

رحم الله العم الدكتور الفلكي صالح محمد العجيري المرح المحبوب، وجعل كل هذه الفتن والمصائب في ميزان حسناته وأسكنه الفردوس الأعلى.

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © الخليج مباشر. جميع حقوق النشر محفوظة. تصميم سواح سولوشنز.