التنمية الحضرية المستدامة هي أولوية رئيسية للسعودية، حيث يعيش نحو 85% من سكانها داخل مدن متكاملة؛ ما يضعها في قائمة أفضل 50 دولة من حيث التمدّن في العالم. وهذا ما جعل معالجة تحديات التنمية الحضرية المستدامة في عالم يعاني من تبعات تغير المناخ محور اهتمام الأستاذ المشارك في النظم الحضرية المستدامة في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية «كاوست» البروفيسور سامي الغامدي، الذي انضم إلى مبادرة المناخ وقابلية العيش في الجامعة في نوفمبر 2022.

يطبق الغامدي منهجاً بحثياً متعددة التخصصات لتحليل ونمذجة تعقيدات المدن وكيفية استخدامها للموارد؛ بهدف تحسين استدامة النظم الحضارية وتقييم صمودها. ويأمل أن تساهم هذه التقييمات بدعم رؤية السعودية 2030 وأهدافها الطموحة، لا سيما في المشاريع الحضرية العملاقة مثل مدينة نيوم ومدينة ذا لاين، يقول «نيوم هي أغلى وأكبر مشروع استدامة لدينا، لكن رؤيتنا هي تطوير الوطن بأكمله، ونحن نعمل اليوم على قدم وساق لبناء روابط قوية من أجل تحسين الاستدامة والصمود وجودة الحياة في البلاد». ومن ناحية أخرى، تعمل المملكة أيضاً على تطوير مشروع مراكز «داون تاون»، الذي يتضمن تطوير 13 مركزاً مجتمعياً في مدن مختلفة في جميع أنحاء البلاد، تضم مساكن، وحدائق، ومدارس، ومساجد، ومرافق بيع وترفيه مستدامة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية.

السعي لتحقيق الاستدامة الكاملة في المدن

إن العمل على مشاريع عملاقة بهذا الحجم هو حلم بالنسبة للباحث سامي الغامدي، الذي يقول «كنت شغوفاً بالمدن والمباني منذ طفولتي، وكنت دوماً أفكر في طرق تحسينها، ودائماً أختار المدن والمباني مواضيع لأنشطتي المدرسية في فترة الثانوية».

وتتمحور الأبحاث الحالية له في «كاوست» حول تطوير نماذج حاسوبية لتقييم تأثير عناصر أنظمتنا الحضرية على البيئة مثل النقل والمياه والطاقة والمواد والبيئات الداخلية، وتحديد مدى مساهمتها المحتملة في ظاهرة تغير المناخ.

وتغطي هذه النماذج تقييمات واسعة النطاق للنظم البيئية الحضرية، تشمل تقييمات دورة الحياة التي تعتبر أساسية لاستدامة أي مشروع، يقول الغامدي «نستطيع نمذجة التأثير الكلي لكل مشروع على البيئة، من مساهمته في تغير المناخ، إلى استنفاد طبقة الأوزون، أو زيادة حموضة المحيطات أو المغذيات المائية».

نمذجة مكونات النظم البيئية الحضرية

بحسب الباحث سامي، فإن هذه العملية الصعبة للغاية معقدة، وتستند إلى قواعد بيانات دولية ضخمة تقدم معلومات عن دورة الحياة حول كل مكون مستخدم في هذه المشاريع. على سبيل المثال، لتقييم دورة حياة الخرسانة، يجب تصميم كل مرحلة من مراحل سلسلة توريد الإسمنت. ويبدأ ذلك بنمذجة استخلاص المواد وتصنيعها وتسليمها، ويستمر بنمذجة تصنيع الخرسانة، واستخدامها وما يحدث للهياكل الخرسانية في نهاية عمرها الافتراضي. وتتكرر العملية نفسها لكل مكون آخر من مكونات الخرسانة كالمياه المستخدمة في صناعتها، لأن كل لتر من المياه المحلاة يتضمن العديد من العمليات المعقدة التي لكل منها تأثير بيئي محدد، وتتم نمذجة كل عنصر بحيث نتمكن من تقديم تقييمات محددة للغاية، مثل تحديد أن متراً مكعباً واحداً من الخرسانة مسؤول عن مقدار معين يمكن قياسه من الضرر البيئي.

ويؤكد الغامدي «هذه المعلومات تسمح للمعماريين ومهندسي البناء بتقييم البدائل واتخاذ قرارات الاستدامة على أساس مستنير للغاية، وفي الوقت نفسه، تساعد الباحثين الذين يستكشفون مواد بناء مستدامة ومصادر بديلة للمياه والطاقة على تقييم جدوى أبحاثهم وتطبيقاته الواقعية».

وتضم مجموعة أبحاث البروفيسور سامي الغامدي في «كاوست» فريقين: أحدهما يدير تقييمات دورة الحياة للتركيز على فهم تأثير النظم المدنية على البيئة، والثاني يدير نموذجاً مناخياً يعتمد على الحاسب الآلي لتقييم مرونة وصمود عملية البناء.

وأضاف، «ندير سيناريوهات مختلفة ونضع في الاعتبار أسوأ النتائج، فمثلاً، نعلم أن المياه التي نستخدمها تأتي من البحر؛ لذا نتوقع ظروف ارتفاع الملوحة، وارتفاع مستوى البحر وتكاثر الطحالب، ثم نطور القدرة على مقاومة هذه الظروف والاستجابة لها، ونضيفها في نموذجنا».

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © الخليج مباشر. جميع حقوق النشر محفوظة. تصميم سواح سولوشنز.