القدس المحتلة- تعدُّ بلدة أبو ديس إحدى أكثر البلدات التصاقا بمدينة القدس، وتبعد الأراضي والمنازل الغربية للبلدة قرابة كيلومترين فقط عن المسجد الأقصى المبارك، لكن هذا الالتحام مع المدينة تحوّل من نعمة إلى نقمة بشروع الاحتلال في بناء الجدار الذي عزلها عن مركز القدس منذ عام 2003.

تواجه البلدة وسكانها تحديات جمّة، ويُربك معسكر جيش الاحتلال المقام في منطقة “الجبل” منها حياة الأهالي اليومية ويعقدها، كما أفرزت الحرب على غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي صعوبات إضافية.

حلّت الجزيرة نت ضيفة على بلدية أبو ديس، وأجرت حوارا خاصا مع رئيسها جمال أبو هلال، الذي تحدث عن “نكبة حقيقية” تعيشها مؤسسات البلدة وأهلها منذ اندلاع الحرب، وتطرق إلى الاستيطان الذي يطارد أراضيها منذ احتلال شرقي القدس عام 1967.

  • بداية حدثنا عن أبو ديس من ناحية الموقع والمساحة وعدد السكان؟

تقع أبو ديس جنوب شرقي القدس العاصمة الأبدية لفلسطين، ومساحتها الإجمالية 30 كيلومترا مربعا، أي ما يعادل 30 ألف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع)، لكن المساحة التي يعيش عليها السكان لا تتعدى 4 كيلومترات مربعة، بواقع 4 آلاف دونم، وما تبقى من مجموع الأراضي تخضع لأوامر عسكرية إسرائيلية من عقود طويلة لغايات التوسع الاستيطاني.

يبلغ عدد سكان البلدة أكثر من 18 ألف نسمة ممن يحملون هوية، كُتب أسفل بند العنوان فيها “أبو ديس”، ويضاف لهؤلاء مقدسيون يحملون الهوية الإسرائيلية (الزرقاء) ولا يُصرح هؤلاء بوجودهم في البلدة كونها مصنفة “منطقة تابعة للضفة الغربية” (أي تحكمها السلطة الفلسطينية وليست تابعة للقدس تحت الحكم الإسرائيلي)، ويُمنع على حمَلة هوية القدس الإقامة فيها، لكنهم يتلقون الخدمات من بلدية أبو ديس.

وفي “صوانة صلاح” الحي المقدسي الذي يتبع جغرافيا لأبو ديس، وإداريا وتنظيميا وإجرائيا لبلدية الاحتلال في القدس ووزارة الداخلية الإسرائيلية، يعيش 3 آلاف نسمة في نحو ألف شقة سكنية معظمهم يحملون هوية القدس الزرقاء أو يحملها أحد الزوجين على الأقل.

  • ما المستوطنات التي أقيمت على أراضي أبو ديس، وهل قُضِمت أراضي البلدة لصالح إقامة مستوطنات مستقبلية عليها؟

ما يقارب 5 آلاف دونم من أراضي أبو ديس صودرت لصالح مستوطنة “معاليه أدوميم”، وصودر ألف دونم لصالح مستوطنتي “كيدار” و”كيدار المؤقتة”.

وما تبقى من الأراضي إما أُعلن عن مصادرتها بأمر “وضع يد” أو بإعلانها “مغلقة عسكريا” لغايات التدريبات العسكرية خاصة في المنطقة الشرقية الواقعة بين البلدة ومنطقة النبي موسى قرب أريحا إذ تمتد أراضينا حتى تلك المنطقة.

وفي الفترة الأخيرة أُعلن عن إقامة مستوطنة جديدة على أراضي أبو ديس الغربية وهي “كدمات تسيون”، وستعمل بمجرد استكمال بنائها على قطع ما تبقى من تواصل جغرافي بين البلدة والقدس العاصمة الأم التي تعتبر أبو ديس إحدى ضواحيها.

شرقي القدس، الجدار العازل يسلخ أبو ديس عن مركز المدينة ويظهر في مؤخرة الصورة المسجد الأقصى(الجزيرة نت)
  • يُضاف لهذه المستوطنات معسكر الجيش الإسرائيلي المتغلغل في عمق حي “الجبل” بين منازل الفلسطينيين، حدّثنا عن تأثيره على حياتهم اليومية؟

أقيم هذا المعسكر عام 1988 وتم إخلاؤه أواخر عام 1994 بعد توقيع اتفاقية أوسلو، وعاد جيش الاحتلال إليه عام 2000 فور اندلاع الانتفاضة الثانية، ومنذ 24 عاما يعاني السكان المجاورون له الأمرّين.

ينتهك المعسكر خصوصية بيوت أبو ديس جميعها، لأنه أقيم على أعلى بقعة في البلدة، وهو جزء من محيطنا الجغرافي وكما يقول السكان “المعسكر عايش معنا”.

يخضع السكان في محيط المعسكر لإجراءات أمنية ويلاحَقون هم وضيوفهم في حال نجحوا في استقبالهم، لأن الجنود يتدخلون حتى في علاقات السكان الاجتماعية ويمنعون وجود الناس بالمكان.

هذه الإجراءات أدت إلى عزل السكان في تلك المنطقة، واضطر كثير منهم لفتح مداخل إضافية لمنازلهم من الجهة المعاكسة للمعسكر لتجنب الاحتكاك مع الاحتلال والتنكيل بهم.

ورغم ذلك، لا يسلم الأهالي من التدخل الأمني العسكري الفظ الذي يتم من خلال توقيف السيارات وتفتيشها ونصب حواجز داخلية الأمر الذي يعيق نقل بعض المرضى وحركة السير ومسار الحياة الطبيعية.

ولم تسلم المنازل المحيطة بالمعسكر من وصول القنابل الغازية والصوتية والرصاص إليها، واضطر السكان لاتخاذ إجراءات حماية كثيرة لتخفيف الأضرار، والحديث يدور عن عشرات المنازل التي يسكنها مئات الفلسطينيين.

نحن كبلدية مهمتنا نقل النفايات من هذه المنطقة، وفي حالة وجود نشاط عسكري تمنع طواقمنا من الدخول كما يُمنع وصول طواقم الصيانة لخدمات المياه والكهرباء والإنترنت إلا بعد إجراء تنسيق معين، وعملنا هناك لا يمكن أن يتم دون ذلك.

الجدار العازل يسلخ أبو ديس عن مركز المدينة ويظهر في مؤخرة الصورة المسجد الأقصى(الجزيرة نت).
  • الجدار العازل الذي أُقيم على أراضي أبو ديس سلخها عن مدينة القدس، ما أبرز تداعيات بنائه على حياة أكثر من 20 ألف مواطن؟

بدأ إنشاء الجدار عام 2003 واستكمل عام 2004، وأقيم على الحدود الغربية والجنوبية الغربية للبلدة من منطقة رأس كبسة بمحاذاة بلدة العيزرية وصولا إلى أراضي الصلعة والشيخ سعد في الجنوب الغربي، وأدى ذلك لتعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية من خلال سلخ عائلات أصبح نصفها يعيش داخل الجدار (داخل مدينة القدس) والنصف الآخر خارجه.

واقتطع الجدار ما يقارب ألف دونم من الملكيات الخاصة لأهالي أبو ديس، ويحمل أصحابها “طابو” (وثيقة ملكية) أردنيا أو عثمانيا، لكن الأوراق الثبوتية لا تشفع لأحد عندما يتعلق الأمر بمصادرة الأراضي لتوفير “الأمن لإسرائيل”.

“أبو المساكين والصوانة وأم الزرازير وخلّة الشجاع ووعر البراري وخلّة عبد” جميعها مسميات لأحواض ومناطق عزلها الجدار عن البلدة، وهذه المسميات التاريخية يعرفها ويحفظها “الدّيَسَة” (نسبة لأهالي أبو ديس) عن ظهر قلب.

وهذه الأراضي باتت تقع داخل الجدار من جهة مدينة القدس، وتسيطر عليها بلدية الاحتلال التي تصنف معظمها أراضي خضراء يُمنع البناء عليها أو الوجود فيها، ويُمنع أصحابها من جني ثمار الزيتون في موسم القطاف كما يمنعون من الاعتناء بها على مدار العام.

  • كانت مستشفيات شرقي القدس عنوانا لأهالي أبو ديس، لكن بناء الجدار أعاق وصولهم إليها نهائيا، كيف تدبرتم أمر القطاع الصحي في ظل انعدام وجود مستشفى يخدم منطقتكم؟

بعد إقامة الجدار بدأت الفعاليات الوطنية والاجتماعية والمؤسسات والبلديات بالعمل على محاولة إيجاد حلول آنية لهذه المشكلة في ظل الافتقار لكثير من التخصصات الطبية واعتمادنا بالأساس على “مركز أبو ديس الطبي” الذي كان عبارة عن مستوصف صغير يتبع لمستشفى المقاصد الخيرية.

تم ترميم المركز وتأهيله وتوسعته وبناء طابق إضافي من متبرعين من أهل “أبو ديس”، وبعد توسعته افتتح قسم الطوارئ بواقع 4 أسرّة لاستيعاب الحالات الخطرة المرضية والإصابات برصاص جيش الاحتلال.

لكن هذا لا يفي بالغرض لحل المشكلة لأنه لا يوجد أي سرير طبي لأي مواطن في المنطقة التي يعيش فيها أكثر من 100 ألف نسمة في كل من أبو ديس والعيزرية والشيخ سعد والسواحرة الشرقية وتجمعات عرب الجهالين البدوية، بالإضافة لطلبة وموظفي جامعة القدس.

اضطرار الطواقم الطبية لنقل المرضى إلى مستشفيات القدس يحتاج لتنسيق مع الاحتلال يستغرق بين 4 إلى 8 ساعات، وفقدنا حياة الكثير من المواطنين نتيجة هذه التعقيدات، كما وضعت النساء حملهن على الحاجز العسكري وبعضهن وضعن أجنتهن في مركز الطوارئ الذي يفتقر لأقل الإمكانيات.

  • دعنا نتطرق إلى أزمة المياه وهي إحدى المعضلات التي تواجهكم على مدار العام، ما سبب هذه الأزمة في أبو ديس وكيف تتعاملون معها؟

مشكلتنا في المياه مركبة جدا لأن الحصة اليومية المخصصة للفرد في الضفة الغربية قليلة، والذي يحدد هذه الحصص هي اتفاقية المياه الموقعة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.

يتبع الاحتلال نظاما عنصريا واضحا في حصص الأفراد من المياه حسب تصنيفهم السكاني، فلليهودي حصة مفتوحة، ولفلسطينيي الداخل بين 148 إلى 150 لترا للفرد الواحد يوميا، وبين 115 إلى 120 لترا للمقدسي يوميا، و75 لترا للفلسطيني الواحد في الضفة الغربية يوميا.

75 لترا حصة غير كافية أبدا ويضاف إليها فاقد طبيعي في الشبكات بين 15 و25%، وبالتالي تتقلص حصة الفرد، وهنا تطفو الأزمات حيث لا عدالة في التوزيع رغم محاولاتنا أن تعم العدالة على كافة المناطق المرتفعة والمنخفضة.

لدينا مشكلة إضافية أن المقدسيين من حملة الهوية الزرقاء الذين يعيشون في المنطقة التابعة لبلدية الاحتلال لا يتلقون خدمات منها، وبالتالي يأخذون من حصة الفرد عندنا دون أن تشملهم كميات المياه التي تضخ إلينا.

ورغم كل المعيقات هناك برنامج تضعه جمعية أبو ديس التعاونية للمياه بحيث يتم ضخ المياه 3 أيام أسبوعيا للمناطق المرتفعة، و4 أيام أسبوعيا للمناطق المنخفضة لأنها أكبر من ناحية الكثافة السكانية.

المياه للبلدة تأتي من مصدرين أساسيين هما شركة “جيحون” الإسرائيلية ومن البئر الارتوازية الموجودة في أبو ديس لكنها تخدم أيضا بلدتي العيزرية والسواحرة الشرقية.

  • أخيرا، كيف أثرت الحرب الحالية في غزة على الحياة الاقتصادية في بلدة أبو ديس؟

في الأيام الأولى للحرب تم تعطيل كافة مناحي الحياة في الضفة الغربية بفعل إغلاق الطرق والاقتحامات اليومية للمدن والقرى والبلدات، إضافة لمنع العمال الفلسطينيين من التوجه إلى داخل الخط الأخضر.

يعمل عدد لا بأس به من أبناء بلدتنا داخل المستوطنات، كما يعمل عدد كبير منهم في مطاعم ومستشفيات وفنادق القدس الشرقية، وجميع هؤلاء مُنعوا من التوجه إلى أماكن عملهم بعد سحب تصاريح “الدخول إلى إسرائيل” منهم.

ويضاف إلى هذا الانقطاع الكبير عن سوق العمل تحويل التعليم من وجاهي إلى إلكتروني في جامعة القدس التي يوجد حرمها الرئيسي في بلدة أبو ديس، وكان طلبتها وكادرها الأكاديمي ضيوفا ينعشون البلدة من خلال مكوثهم في شقق وأبراج فندقية أُنشئت خصيصا لهم وهي الآن فارغة وأصحابها تضرروا اقتصاديا بشكل سلبي عميق.

شريحة أخرى تعد من فئات المجتمع الكبيرة في أبو ديس هي فئة الموظفين العموميين (فئة موظفي السلطة الفلسطينية) الذين يواجهون انقطاعا وصعوبة في الحصول على رواتبهم منذ بداية الحرب، وهذا أثر على الحركة الشرائية في البلدة، ويمكن القول إن القطاع التجاري وأصحاب المشاريع الصغيرة هم الفئات الأكثر تضررا في الحرب، وإن اقتصاد البلدة تضرر بنسبة 60% منذ اندلاع العدوان.

كل ذلك أثر بطبيعة الحال على نسبة التحصيل والجباية لمقدمي الخدمات ومنها البلدية، لأن المواطن عاجز عن تسديد الالتزامات المالية المترتبة عليه، وبالتالي تراجعت قدرتنا كمقدمي خدمة على الإيفاء بالتزاماتنا المالية للجهات التي تقدم لنا الموارد على سبيل المثال المحروقات والصيانة وغيرها، وهذا دفعنا لرفع درجة الطوارئ للون الأحمر لأن لا إمكانية لدينا للاستمرار إذا بقيت الحالة الاقتصادية على ما هي عليه الآن.

شاركها.
اترك تعليقاً

2024 © الخليج مباشر. جميع حقوق النشر محفوظة. تصميم سواح سولوشنز.