نيودلهي- قبلت محكمة دلهي العليا، اليوم الاثنين، استئناف وكالة التحقيقات القومية الهندية حكم المؤبد الذي صدر بحق الزعيم الكشميري محمد ياسين مالك قبل سنة. وطالبت الوكالة بإعدامه، وقالت “الجرائم التي ارتكبها ليس لها عقوبة إلا الإعدام” وإنه “لا يقل خطورة عن أسامة بن لادن”.

وقبلت المحكمة العليا استئناف القضية رغم أن المدة القانونية القصوى للاستئناف -والمحددة بـ 90 يوما- انتهت قبل 9 أشهر.

وتولى المدعي العام توشار ميهتا بنفسه عرض مطالب الوكالة أمام المحكمة العليا. وقال -في معرض مطالبته بإعدام الزعيم الكشميري- إن مجرد اعترافه بذنبه لا يبرّئه من حكم الإعدام.

وسمحت المحكمة لياسين مالك بالرد على الاستئناف، كما رفضت مقارنته بأسامة بن لادن، قائلة إن الأخير لم يواجه أية محكمة.

من هو ياسين مالك؟

محمد ياسين مالك، رئيس جبهة تحرير “جامو وكشمير” منذ عام 1999، وأشهر زعيم كشميري هندي يطالب بانفصال إقليم جامو وكشمير عن الهند، وكان أول من بدأ العمل المسلح في كشمير التي تسيطر عليها الهند، وأول من نبذه أيضا حين اعتنق مبدأ اللاعنف منذ سنوات عديدة مضت.

لكن هذا لم يسعفه مع سياسة الحكومة الهندية الحالية في ملاحقة أو تصفية كل من ينادي بالانفصال، وحرية كشمير، ولو سلميّا. ويواجه أمثال ياسين مالك مصير القتل أو السجن أو الوضع تحت الإقامة الجبرية.

وياسين مالك من مواليد 1966 في منطقة “ميسومه” في “سيريناغار” عاصمة كشمير. وتوجه إلى العمل السياسي عام 1980 حين شاهد الجنود يعتدون على سائقي سيارات الأجرة، فأسس حزبا صغيرا تحول لاحقا إلى “رابطة الطلبة الإسلامية” التي أيدت “الجبهة الإسلامية المتحدة” بانتخابات 1987 التي اتهمت بالتزييف وإسقاط مرشحين نالوا غالبية الأصوات مقابل إنجاح مرشحين كانوا يتمتعون بتأييد الحكومة المركزية.

وحينها، تم إلقاء القبض على مرشحي المعارضة ومؤيديهم ومنهم ياسين مالك، وزجهم بالسجون بدون محاكمة. وبعد شهور جرى الإفراج عنه، وتسلل إلى كشمير الحرة (الباكستانية) حيث تلقى تدريبا عسكريا، وأجرى اتصالات مع نشطاء هناك ومع المخابرات الباكستانية، وعاد لينضم إلى “جبهة تحرير جامو وكشمير” التي كانت أول من بدأ العمل المسلح في الإقليم الواقع تحت حكم الهند، في يوليو/تموز 1971.

وتعرّض ياسين مالك للاعتقال لأول مرة في أغسطس/آب 1990، وحين أفرج عنه في مايو/أيار 1994 وجد الجبهة مشلولة بسبب تصفية غالبية عناصرها على أيدي حزب “المجاهدين” أو قوات الأمن الهندية. وهنا أعلن ياسين ملك هدنة دائمة، ومع ذلك استمرت ملاحقة رجال الجبهة، فقتل منهم ما بين 100 و300 عنصر حتى بعد إعلانه الهدنة.

تبنّي اللاعنف

وبعد إعلان الهدنة الدائمة، تبنّى ياسين مالك فلسفة غاندي القائلة باللاعنف، ودعا إلى مفاوضات ثلاثية جادة بين مندوبي شعب جامو وكشمير والهند وباكستان، لكن نيودلهي رفضت هذا الاقتراح.

ولم يكن هذا التوجه الجديد مقبولا لدى قيادة الجبهة في كشمير الحرة التي كان يرأسها أمان الله خان، فقامت عام 1995 بطرد ياسين مالك من منصبه كرئيس جناح الجبهة في كشمير الهندية، فرد الأخير بطرد أمان الله خان من رئاسة الجبهة، مما حولها إلى منظمتين منفصلتين. ولكن اعتراف حكومة باكستان بجناحه قوّى مكانة ياسين مالك كممثل حقيقي للجبهة.

وبعد اعتناقه اللاعنف، أخذ ياسين مالك يزور العاصمة نيودلهي وغيرها من المدن الهندية، وعقد صلات مع كبار الشخصيات السياسية والصحفية وظل يطالب بحل المشكلة الكشميرية سلميا.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1999، اعتقلته السلطات الهندية تحت “قانون أمن كشمير” الذي يسمح باعتقال أي شخص بدون محاكمة لمدة سنة. وأعيد اعتقاله لسنة أخرى في 26 مارس/آذار 2002. وبعد خروجه من السجن قابل كلا من رئيس جمهورية باكستان ورئيس وزرائها كما التقى رئيس وزراء الهند.

وفي عام 2007، بدأ ياسين مالك برنامج “مسيرة الحرية” وأخذ يتجول في أنحاء كشمير وجمع خلالها توقيعات 1.5 مليون مواطن من 5 آلاف قرية في كل أنحاء كشمير الهندية، ووضعها بمعرض بالعاصمة الهندية في مارس/آذار 2005.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2013، طُرد ياسين مالك وزوجته وابنته البالغة من العمر 18 شهرا من فندق بالعاصمة الهندية، في موقف مشابه للمعاملة التي يلقاها غالبية الكشميريين خلال رحلاتهم في أرجاء الهند حيث يجدون صعوبة في الحصول على غرف بالفنادق أو حتى استئجار شقق.

Indian Police detains the chairman of the Jammu Kashmir Liberation Front (JKLF), Muhammad Yasin Malik (C) as he tried to march after Friday prayers in Srinagar, the summer capital of Indian Kashmir, 02 December 2016. Police used dozens of tear smoke shells to disperse Kashmiri Muslim protestors.

ملفات قضائية

بدأت مشكلة ياسين مالك الحالية في مارس/آذار 2020 حين وجّهت إليه و6 من رفاقه تهمة الهجوم على كتيبة للطيران الحربي الهندي في “سيريناغار” في يناير/كانون الثاني 1990، وهو الهجوم الذي مات فيه 4 من عناصر الطيران الحربي.

ويواجه أيضا قضية خطف “روبية سعيد” ابنة وزير الداخلية سنة 1989، إلى جانب قضية ثالثة سجلتها وكالة التحقيقات القومية ضده بتلقي أموال من باكستان عامي 2010 و2016 لتمويل “أنشطة إرهابية”.

وفي مارس/آذار 2022، قضت محكمة في دلهي بأن الاتهامات الموجهة إلى ياسين مالك صحيحة بخصوص الانتماء إلى منظمة “إرهابية” وتلقي الأموال لأغراض إرهابية، وتدبير مظاهرات على نطاق واسع. وتقرر المضي في محاكمته.

وكانت المفاجأة بجلسة المحكمة يوم 10 مايو/أيار 2022 أن اعترف ياسين مالك بالتهم الموجهة إليه، وقال إنه لا يريد محاميا بل سيدافع عن نفسه بنفسه. وهنا عينت المحكمة محاميا من جانبها لمساعدته إلا أنه أكد للمحامي أنه لا يريد الدفاع في مواجهة التهم الموجهة إليه وهو يدرك تبعات قراره. وقال حينها أمام المحكمة إنه تخلى عن العنف، ويسير الآن على خطى المهاتما غاندي القائلة باللاعنف.

وفي 19 مايو/أيار 2022، أدانته المحكمة بتهمة التآمر وشن الحرب على الدولة، وحكمت عليه بعقوبتيْ السجن مؤبدين، وعقوبة ثالثة بالسجن 10 سنوات، على أن تنفذ كل هذه العقوبات بصورة متزامنة.

كما حُكم عليه بغرامة 1.065 مليون روبية هندية. ورفضت المحكمة مطالبة وكالة التحقيقات القومية بإصدار حكم الإعدام بحقه.

انتقاد واسع لحكم المؤبد

انتقد مؤتمر الحرية الكشميري (يضم 24 منظمة انفصالية) الحكم ضد ياسين مالك بشدة، قائلا “إنه حكم مرعب لشعب جامو وكشمير، وهو محاولة لإثارة وتخويف الشعب الكشميري”. وناشد بالإفراج عن مئات المسجونين من الشباب والطلبة والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان والتجار في جامو وكشمير.

كما انتقد الحكم آخرون بينهم محبوبة مفتي رئيسة حزب الشعب الديمقراطي وكبيرة وزراء جامو وكشمير السابقة، والتي دعت إلى إعادة النظر فيه. وقالت في بيانها إنه سبق لهذا البلد العفو عن قاتل رئيس وزراء، في إشارة لقرار المحكمة العليا في مارس/آذار 2022 بالإفراج عن قاتل راجيف غاندي بعد أن قضى في السجن 31 سنة.

قرار الإعدام بيد الحكومة

لم يرق حكم السجن المؤبد لوكالةَ التحقيقات القومية المكلفة بمكافحة “الإرهاب” فاستأنفت ضده بمحكمة دلهي العليا، وقالت إن ياسين مالك “هاجم فكرة الهند” ويريد سلخ جامو وكشمير عن الاتحاد الهندي، وهو بالتالي يستحق الإعدام، لا أقل.

وقبول المحكمة العليا اليوم استئناف وكالة التحقيقات القومية لا يعني بالضرورة أن يأتي الحكم على هواها، ولكنه يخضع لتوجهات الحكومة، فلو رأت أن إعدامه يخدم مصلحتها فستضغط على المحكمة لإصدار حكم نهائي، وقد رأينا أمثلة عديدة لهذا السنوات الماضية مثل الأمر بإعطاء أرض “مسجد البابري” للطرف الهندوسي رغم قبول المحكمة حيثيات الحكم بالحقائق التي اعتمد عليها الطرف المسلم.

شاركها.

اترك تعليقاً

2024 © الخليج مباشر. جميع حقوق النشر محفوظة. تصميم سواح سولوشنز.